أحمد بن محمد ابن عربشاه

314

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فقالت : أيها الرجل الزاهد الصالح العابد أنا ما آذيتك ولا ضاررتك ، وإن رأيت نفعتك وبررتك ، وحاشاك أن تؤذى من لا آذاك ، وأنا أعلم أيها الرجل الكبير أنك غريب وفقير ، وما أقدمك على هذا البأس ، إلا الغربة والإفلاس ؛ فكف عن هذا الأمر ، واطفئ نائرة هذا الجمر ، وارجع إلى منزلك ، واشتغل بطاعتك وعملك ، وأنا أوصلك كل نهار دينارا ذهبا نضارا كاملا وافيا معيارا ، يأتيك هينا ميسرا كل صباح مبكرا إذا استيقظت من رقدتك تجده موضوعا تحت وسادتك ، وهذا هو الأليق بحالك وأفرغ لخاطرك وبالك وأخلص لك من ورطات المهالك ، وإذا أصلحت مع الله سريرتك وطهرت من أدناس الدنيا سرك وسريرتك ؛ فاترك الناس ولو كانوا جيرتك ، أو أهلك وعشيرتك ، وعليك بخويصة نفسك ، فإذا أنقذتها من الورطات فأمسك . وقد قال منزل القرآن ليحرسكم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [ المائدة : 105 ] . فلما سمع بالدينار ألهاه الطمع والاغترار فبردت همته ، وضعفت في الله قوته ، وتركها ورجع ، وترك القيام وهجع . فلما أصبح الصباح وحاز بالصلاة الفلاح بادر إلى الفراش ، وطلب المعاش . فوجد الدينار كما ذكره الشيطان وأشار ؛ فالتقفه وابتهج ، وتحقق أنه فتح باب الفرج ، واستمر على ذلك أسبوعا والذهب عنده مجموعا . ثم بعد ذلك قصد الفراش بسرور واهتشاش « 1 » . فلم يجد شيئا من الذهب فتحرق قلبه والتهب ، فأخذه الحنق والقلق وأخذ الفأس وانطلق ، فلما قرب من الشجرة نادته بألفاظ عكرة : قف مكانك واذكر شانك وقل لي فبما ذا جيت فلا حبيت ولا حييت ، فقال : جئت لأقطعك ، ومن الأرض أقلعك ؛ غيرة على الدين وقياما بحق رب العالمين .

--> ( 1 ) انبساط وسرور .